[ نشأة الكنيسة، وتعددّها ]

الأب لوقا عوض

نشأة الكنيسة:
للكنيسة الكتابية بدايتان، الأولى عندما أسسها الرب، له المجد، على الجبل بعهد دم الذبائح الحيوانية، وأعلم النبي موسى بأن يبني كنيسة على مثالها (ص26) وهذا ما تحتفل به الكنيسة السريانية الأرثوذكسية في بداية سنتها الطقسية أي تأسيس الكنيسة، والنشأة الثانية هي الكنيسة المسيحية التي أسسها الرب يسوع المسيح بدمه الثمين عهداً جديداً، والتي تحتفل به أيضاً كنيستنا السريانية الأرثوذكسية في الأحد التالي لتأسيس الكنيسة ما نسميه تجديد الكنيسة، أي إعطاء الكنيسة مفهوماً روحياً جديداً، على حدّ قول الرب له المجد، (ما جئت لأنقض بل لأكمّل).
الكنيسة المسيحية:
أسسها الرب أولاً على الجبل أيضاً، على شبه كنيسة العهد القديم، ولكن في هذا التأسيس الجديد أسسها على صخر متين وعلى إيمان لا يتزعزع ثخين (مت 16) فقد قال لسمعان: (طوبى لك يا سمعان بن يونا، أنت الصخرة وعلى هذه الصخرة سأبني كنيستي.. وسأعطيك مفاتيح ملكوت السموات، فما حللته على الأرض يكون محلولاً في السماء، وما ربطته على الأرض يكون مربوطاً في السماء)، فقد أعطى الرب السلطان للكنيسة ورؤسائها في تدبير شؤونها ورعايتها بما يوافق المقاصد الإلهية، على عكس كنيسة العهد القديم التي كان يوجهها الرب مباشرة عن طريق الأنبياء ورؤساء الكهنة.. وغيرهم، فالقرار إلهي مباشر وأمر الشعب بين يدي الربّ.
اتضحت فكرة الكنيسة الجديدة ورئاسة الكنيسة أيضاً، عند صعود الرب وإعطاءه الأمر الرباني بمباشرة نشر بشرى الخلاص والكرازة في كل العالم بالمسيح المخلص،
( اذهبوا، وتلمذوا، وعمّدوا، ..باسم الآب والابن والروح القدس) " مت 28" ففهم التلاميذ دعوتهم بشكل صحيح وبدعم وتأييد الروح القدس وإرشاده لهم، وتذكيره لهم بكل ما فعله الرب معهم، طفقوا يبشرون ويجتمعون جنباً إلى جنب، مصليّن في كل حين، وشاكرين أيضاً، وكانت بدايات الكنيسة المسيحية أيام عيد الخمسين عند حلول الروح القدس على التلاميذ
(أع 2)، ووعظ بطرس الرسول بالأمم الغريبة التي سمعت منه كلاماً يتفوه به لأول مرة صياد بسيط جليلي، فكانوا روحاً واحدة ونفساً واحدة وكنيسة واحدة تجتمع باسم الآب والابن والروح القدس.
فالكنيسة هي جماعة المؤمنين بالله الواحد، الآب والابن والروح القدس، إيماناً مطلقاً وعقيدة راسخة بدون تغيير. وبقيت هذه الكنيسة بهذه الصورة البهية الروحية المشتركة الخادمة، وتوافد إليها المؤمنون من شتى بقاع العالم، إذ طفق التلاميذ مبشرين بكلمة الحياة كما أوصاهم الرب يسوع المسيح.
واجهت الكنيسة منذ بداياتها، وهذا شيء طبيعي، مشاكل داخلية وخارجية معاً، والسبب يعود لاختلاف العقائد والتقاليد والقيم السائدة آنذاك، ولوجود فكرة جديدة في المجتمع ألا وهي فكرة المسيح الإله الابن المصلوب، فتضاربت الآراء حتى ما بين الرسل أنفسهم وهذا ما يخبرنا عنه أيضاً سفر أعمال الرسل عن الخلاف الذي نشأ ما بين اليونانيين والعبرانيين في خدمة الأرامل (أع 6)، والخلاف الذي نشأ ما بين بطرس هامة الرسل وبولس رسول الأمم بشأن محاباة بطرس لبعض اليهود في عاداتهم القديمة (غلا 2: 11) إذ لم تتبلور فكرة الكنيسة بالشكل الروحي الصحيح لدى بعض الخدّام والرسل، ولكسب عدد لا بأس به من المؤمنين. وخارجية، وكانت كثيرة، من اليهود الذين ضاقوا ذرعاً بالمسيح وتعاليمه والآن جماعة تتكاثر تتبع المسيح، فكانوا يضيقون الخناق على الجماعات الجديدة ويضطهدونهم ويلاحقونهم حتى لمسافات طوال، وهذا ما فعله شاول على طريق دمشق ( أع 9) وبعدها أصبح بولس الرسول. ومن الرومان أيضاً الذين لاحقوهم بحث وطلب من اليهود لأنهم كانوا السلطة الحاكمة في البلاد، فعن طريقهم كان يتم تعذيبهم واضطهادهم وزجهم في السجون، وسنّ القوانين التي تبيح قتلهم بدون أي سبب أو داعي. فكانوا يصلّون أولاً في مغاور وكهوف، ويهربون من وجه الظلم الذي يلاحقهم أينما ذهبوا وحيثما حلّوا.
انتشار الكنيسة:
بدأت الكنيسة المسيحية بالانتشار والتوسع وازدياد أعداد المؤمنين بالسيد المسيح بعد سنوات قليلة، على يد الرسل والمبشرين الذين نشروا الكلمة الحيّة في النفوس، فبطرس الرسول الذي كان معينّاً لخدمة المسيحين اليهود، وبولس للأمم، وتوما ذهب إلى الهند، ومرقس إلى مصر، ومتى إلى العربية، وبرثلماوس إلى آسيا الصغرى، وأدى وماري إلى الرها.. وغيرهم من الرسل الذين لم يهابوا الموت في سبيل نشر الكلمة التي أعطاهم إياها السيد.
أصبحت الكنيسة في ازدياد مستمر وبشكل غير معقول، ما حذا بالرسل إلى إقامة معلمين وأساقفة يخدمون الرعايا الجدد، وهنا بدأت فكرة تأسيس الكراسي، وإقامة خلفاء للرسل كي يديروا أمور وشؤون المؤمنين. فأسس بطرس كرسيّه أولاً في أنطاكية التي دعي فيها المسيحيون أولاً ( أع 11: 26) وأقام عوضاً عنه لخدمة المؤمنين أسقفين هما إغناطيوس لخدم المسيحين من أصل يهودي وأفوديوس لخدمة المسيحيين من الأمم. وأسس مرقس كرسيّه في الإسكندرية، وبولس بقي في روما مدة من الزمن وأقام عوضاً عنه طيطس في جزيرة كريت وغيره من التلاميذ في أماكن عدة مثل تيموثاوس في أفسس.
ومع هذا التزايد العجيب للمؤمنين المنضمين إلى الكنيسة المسيحية، سنّ الرسل والتلاميذ قوانين وشرائع، وكانت أولى هذه القوانين في مجمع أورشليم الأول سنة 51م (أع 15: 28) والذي وضعوا فيه كيفية دخول المؤمن إلى الكنيسة. وهذا ما كان يحدث في بدايات الكنيسة من أمور التشاور وحلّ جميع المشاكل التي تحدث بروح الوحدة والتآلف والاتفاق.
الكراسي الرسولية:
لم تنشأ فكرة الكراسي والرئاسة في الكنيسة إلاّ من خلال إقامة الرسل والتلاميذ خلفاء لهم في الأماكن والمدن التي كانوا يؤسسون فيها رعايا كنائس، فكان أول كرسي في تاريخ الكنيسة هو كرسي أورشليم الذي جلس عليه أولاً يعقوب أخو الرب وكان أول أسقف ورئيس كرسي في تاريخ الكنيسة، وكانت تعتبر أورشليم ذات مكانة مميزة وخاصة عند جميع المؤمنين لأنها أم الكنائس، وبعد ذلك أسس بطرس الرسول الكرسي الثاني وهو الكرسي الأنطاكي في أنطاكية سوريا، حيث بقي هناك معلّماً ومرشداً لجميع المؤمنين الجدد من سنة 53 ولغاية 60، ثم أقام مكانه أغناطيوس النوراني وأفوديوس، وأسس مرقس الرسول كرسّيه في الإسكندرية سنة 63 وأقام فيها أنيانوس سنة 64 أسقفاً على المؤمنين. وكان يسمّى أسقف المدينة بالأسقف أو الملاك كما سماّهم يوحنا في رؤيته (رؤ 2: 1).
وبعد المائة الأولى للنشوء الكنيسة، أخذت تتضح وتتجلى أمورها بشكل جيد، وبدأ الأساقفة المقامون يرسمون ويحددون الهيكلية الأولى في الكنيسة، فرسموا الكهنة وأقاموا الشمامسة للخدمة وحددوا حدود أبرشياتهم، وأصبح أسقف أنطاكية المدينة العظمى هو رئيس الكرسي الأنطاكي، وكذلك الإسكندري والروماني، وناهضوا ودافعوا بكل قوة عن المعتقد القويم المستقيم الذي تسلموه من الرسل وخلفائهم، وعقدوا المجامع المكانية والمسكونية للدفاع ودحض جميع الهرطقات والمعتقدات الغريبة التي أدخلت إلى الكنيسة.
مع توسع رقعة البلاد التي يخدمها الأسقف، أقام هو أيضاً أساقفة آخرين في المدن الكبيرة وكان يسمّى ميتروبوليت، أو أسقف العاصمة، ويخضع له أساقفة وكهنة وشمامسة وشعب وهو تابع لأسقف الكرسي الرسولي. فأخذ الكرسي الأنطاكي أنطاكية وسوريا والعربية حتى حدود الهند، والكرسي الإسكندري مصر حتى بلاد المغرب وإفريقيا، والكرسي الروماني أوروبا وما يخضع لها. ولم يتقدم كرسي على آخر ولا أسقف على آخر في أي شيء ولا حتى في الرتبة، وكان كل أسقف يقام على كرسي رسولي يرسل بيمين الشركة لإخوته أصحاب الكراسي الرسولية، واتخذ أسقف أنطاكية لقب بطريرك (أبو الآباء) وأسقف الإسكندرية وروما لقب البابا (الأب).
عقيدة الكنيسة:
كان ما تسمله الرسل من الرب، وما سلموه هم أيضاً لمن بعدهم، هو العقيدة الأساسية الراسخة من الكتاب المقدس الذي كتبه الرسل والمبشرون، وأخذت أيضاً الكنيسة عقيدتها من التقليد الرسولي الكتابي الذي سجّله الرسل وخلفائهم من العصر الرسولي كأساس في عقيدة الكنيسة الأولى، باعتقداها بالآب والابن والروح القدس والعذراء مريم، ولاهوت المسيح والقيامة والمجيء الثاني والقديسين... وغيرها من العقائد المسيحية. وفي حال ظهور أية هرطقة أو تعليم غريب في الكنيسة يحرم صاحبها من الكنيسة ويعتبر أناثيما ( غلا 1: 8) أي غريب ومحروم، وكان من واجب أصحاب الكراسي الرسولية الدفاع عن العقيدة المسيحية إذا كانت ضد الكنيسة وعقيدتها، فيجتمع أصحاب الكراسي الرسولية لدراسة الموضوع والخروج بقرار مبرم يخضع له جميع المؤمنون. ولا تعترف كنيستنا السريانية الأرثوذكسية بعقائد غير العقائد التي خرجت منها المجامع المسكونية الثلاث نيقية وقسطنطينية وأفسس فقط، والذي تتلوه دائماً في كلّ قداس ما نسميّه (قانون الإيمان) وهو العقيدة الرئيسية في كنيستنا وعقيدة كل إنسان مسيحي.
طقوس الكنيسة:
لم يكن في بدايات الكنيسة طقوس منظّمة ومرتّبة بسبب حالة الفزع والخوف وعدم الاستقرار، فكانت الطقوس تجرى بسرعة وبطلبات وصلوات ارتجالية تحفظ وتردد مرة بعد أخرى، ولم يكن هناك شيء مكتوب بل متواتر بواسطة الشفاه، وهذا ما نسميه التقليد الشفاهي، فكانت المعمودية تجرى في المياه الجارية بسكب الماء باسم الآب والابن والروح القدس، والكهنوت بوضع اليد على المرتسم، بواسطة الرسل والأساقفة والشيوخ، والقربان المقدّس كان يقام عبارة عن صلوات شكر وطلبات وغفران، وكسر الخبز تذكاراً ليوم الرب كما أوصاهم، وهذا ما نراه في الليتورجيات الكنسية والتي أقدمها يعود ليعقوب أخو الرب، وهي الوحيدة الصحيحة المنسوبة إلى رسول، ثمّ في المائة الأولى بدأ كتابة ونقل الإنجيل المقدّس والصلوات ونسخها لتكون موحدّة في الكنيسة. وفي كنيستنا السريانية الأرثوذكسية تمّ تهذيب وتنظيم الطقوس جميعها على يدّ القديس يعقوب الرهاوي. والليتورجيات الكنسية التي نراها اليوم في الكنائس جميعها لا زال بعضها موحّد إلى الآن والتي تنسب إلى ذات القديس المأخوذة من المصدر الكنسي نفسه.
المجامع المسكونية:
لم يكن اجتماع رؤساء الكراسي الرسولية قبل القرن الرابع بالأمر السهل، بسبب الاضطهادات التي كانت تعانيها الكنيسة، فكانت محاربة البدع والهرطقات يتمّ بواسطة مجامع مكانية لدحضها والنظر فيها. ولكن بعد مرسوم ميلانو 313م والذي أصدره قسطنطين الملك باعتبار الدين المسيحي هو دين الدولة، تنفست الكنيسة الصعداء وبدأت عهداً جديداً من الحرية الدينية والعقائدية، وأول مجمع مسكوني والذي صفاته أن يلتئم هذا المجمع بحضور كافة رؤساء الكراسي الرسولية بدعوة من الملك أو الامبراطور في مكان ما لتدوال أمور الكنيسة وأهم هذه الأمور هو البدع والهرطقات الصادرة. فالتئم المجمع في مدينة نيقية سنة 325 للنظر في عدة أمور تنظيمية وعقائدية، ونظر في هرطقة أريوس القس الإسكندري وبدعته الجديدة التي رفضها المجمع وحرم صاحبها وأتباعه، واعترف المجمع النيقاوي بسلطة الكراسي الرسولية الثلاث وحدودها التي رسمها أسقف كل كرسي بالتوافق فهو لم يحدد الحدود أو سلطة الكرسي الرسولي بل ثبّتها، وكذلك مسألة عيد الفصح، وبعض القوانين والآداب الواجب اتباعها في الكنيسة. واعترف أيضاً بعدم تقدّم كرسي على آخر أبداً، ولكن رتّب الكراسي الثلاث بحسب الأهمية السياسية للكرسي فكانت روما ثم الإسكندرية ثم أنطاكية.
وأصدر قانون الإيمان النيقاوي الذي نتلوه اليوم في كنائسنا من بدايته حتى (ليس لملكه انقضاء). ثم المجمع الثاني الذي عقد في القسطنطينية سنة 381 بهمة القيصر ثاودوسيوس الكبير للنظر في بدعة سابليوس ومقدونيوس وغيره من المبتدعين فحرمه المجمع، واعترف بالكرسي القسطنطيني كرسياً رسولياً ومرتبته الثانية بعد الكرسي الروماني، وأصدر الجزء الثاني من قانون الإيمان النيقاوي (ونؤمن بالروح القدس.. حتى النهاية).
أما المجمع الثالث فكان في أفسس سنة 431م بهمة القيصر ثاودوسيوس الثاني للنظر في بدعة نسطور وأتباعه، فحرمه المجمع المقدّس هو وأتباعه.
المجمع الرابع وهو مجمع خلقيدونية سنة 451 والذي فيه حدثت الكارثة العظمى إذ انشقت الكنيسة المقدّسة على ذاتها، وأصبحت فرقتين، القسطنطينية وروما، والإسكندرية وأنطاكية. هنا تفرّع درب الكنيسة إلى فرعين، شرقي وغربي، مؤيد ومعارض.
وهنا بدأت روح التحزب تقوى وتأخذ مكانها من رجالات الكنيسة، وهذا ما نراه ونقرأه في الانشقاقات التي حدثت على مرّ عصور الكنيسة لتحزب رئيس كرسي لصديقه أو صاحبه أو زميل دراسته أو ابن قوميته... ولم تبقَ الحال على ما هي، بل أصبحت الكنيسة تضطهد ذاتها، لفرض العقيدة الجديدة التي رفضها آباء الكرسيين الأنطاكي والإسكندري عليهم بدافع من روما والقسطنطينية وتأييد ودعم من الملك مرقيون،

 

الرئيسية   عودة